بيت رقم 7
آخر الشارع كان فيه بيت مشهور بين الناس— محدش يقرب منه، واسمهم ليه "بيت رقم 7".
البيت من بره باين عادي، بس اللي ساكنين الحي بيعرفوا حاجات. الشباك مكسور في حتة، الباب نص مفتوح، والحديقة قدامها مليانة شجر ناشف وورقها بيتهد. الستات لما تمشي جنب البيت دا تبص بسرعة وتسرّع. الشباب بيتحدّوه في ضحكة لكن لما يروحوا يقربوا تلاقي قلبهم وقع.
أحمد وعيلته اتنقلوا للحي من شهرين. الحبش قالوا له المكان رخيص والشغل قريب، واهله وافقوا. هو شاب في أول العشرينات، دماغه عملية وماشي حياته عادي. أول يوم راح البلكونة بتاعته وقعد يدخّن شوية، وبصّ للشارع ولقي البيت دا، حس بانياب صغيرة في قلبه— بس شجّع نفسه وقال: "حاجات الناس الكبيرة بس".
اللي فعلاً حصل إن في الليالي الأولى، كان يسمع صوت خطوات في الحتة بتاعة البيت. قال لنفسه: "جيران ليلين، ولا قطط." لكن الصوت كان ثابت، ما بيتغيرش. ييجي نص الليل، يسمع ثلاث خطوات تقيلة تمشي قدام البيت، وتقف. والسكون يرجع.
في أول ليلة طلع يشوف من البلكونة. الدنيا كانت ساكنة غير الريح اللي بترمّي أوراق الشجر. لقى ضوء باهت جنب السلم قدام باب بيت رقم 7، زي لمبة بعيدة ما بتطفيش. وبعد شوية نور خف ولا رجع. أحمد ضحك لنفسه وقفل الهدرة وقال: "أكيد حد سهران." لكنه حس إن الموضوع اختلف لما في اليوم اللي بعده لقاه مرسوم على الحيط— خطوط بسيطة برصاص، شكلها شبه خريطه صغيرة، ومعاها سهم صغير مرسوم وبدايه مكتوب عليها: ما تمشيش ورا.
البداية كانت لعبة بالنسبة له. حب يستفهم. في يوم راح عند صاحبه سامي وقاله: "تعال نروح نبص على بيت رقم 7". سامي رفض في الأول، لكن بعد شوية قنعوه. راحوا سوا بالليل، شايلين فانوس صغير، يدخلوا في سور الحديقة، يحسوا بنوع من رجفة في إيدهم.
وصلوا قدام الباب. الهواء كان أبرد من بره. سامي وسأل: "عايزين نخش؟" أحمد قال: "لا، بس نبص من الباب." الباب كان موصّل بيتين مفتوح، ومن غير صوت. بس لما قربوا، لاحظوا إن في صوت خفيف، زي شخص بيهمس. متقارب بس ما كانش واضح.
المهم، سامي قرر يدخل، وسأل أحمد يقف بره. لكن قبل ما يدخل، فتح الباب كنقطة صغيرة، والبص اللي من الباب لقى أرضية خشب مكسرة وممر طويل مظلم، وفي آخره ضوء أحمر خفيف. سامي دخل خطوة، وسكت، وبعدها جري برة وهو بيقول: "امشي من هنا— امشي!" أحمد استغرب وراح يدور على سبب الهلع، لقى سامي مغمى عليه على الرصيف، وشكل وجهه أبيض خالص. لما فاق سامي، كان بيرجف وقال: "حسيت بحاجة بتحكي في ودني اسمك." أحمد حاجة في جواه اتغيّرت.
اللي بعدها أحمد بدأ يتابع. في الأيام اللي بعدها، مواعيده اتغيّرت، الشغل تعب، وحياته بقت حواليها ريح. أصحابه لاحظوا عليه حاجة. في مرة لما رجع من الشغل، لقى على باب شقته ورقة صغيرة ملزوقة— مرسوم فيها رموز مش واضحة، وفي النص مكتوب: ما تنامش ولاحد يقولك صاحي. هو رمى الورقة في الأول، بس بعدين حس إن حد بيراقبه.
الليل جه، والنوم ما جاش. بيفتح التلفزيون عشان يسمع صوت، بس حس إن صوت التلفزيون بعيد زي جدار، وبص لتحت السرير وفكر: "يا خسارة— انا اتخنق من خيالي." نومه انفلت في نص الليل فجأة؛ فتح عينيه لقى ضوء ضعيف جاي من الشباك، بس الشباك كان مقفل. الضوء كان بيترقص على الحيطة، وفيه ظل طويل بيتقلّص وبيتطوّل معاه.
بعدها، الصوت بقا واضح أكتر، مش همس بس، كلمات قصيرة: "تعالى… تعالى… تعالى." زي صوت واحد بيرجّ على نَفَس وفيه نبرة متوسطة بين الرجاء والخوف. أحمد حاول يستنى ما يصحى حد لكن صوت ما حدش بيجاوب. قرر يقوم يطلع على السطح ويتطمن. السلم اللي واصل للسطح كان فيه رائحة غريبة— ريح أحلى من اللي اتعود عليها بس فيها حاجة مُرة في الآخر.
طلع السطح، والدنيا ساكتة، لكن فَجأة من جنب بيت رقم 7 طلع صوت ضحكة. ضحكة ما تمشيش في وشوش الناس، ضحكة مكشطة كأن حد بيقشر صدره، ومش ضحك حقيقي، أكتر شبه سراب. أحمد قعد ثابت، القلب بيدق بسرعة، وشاف ظل نازل على السور وكأنه بيراقب. الظل كان بيتحرك بعقل ماشي لوحده. فتح الفانوس وهو بيتلجلج، والظِل وقع على الأرض، بس مكانه ماكانش ليه أصل— كأن الهواء نفسه راسم ظل.
عاد أحمد البيت وجلس معاهم، لكنه ما قدرش يهدى. قرر يروح مرة تاني يفحص المكان بالنهار. في النور شف حاجات أخرى: مكتوب على باب البيت رقم 7 اسم قديم مش مفهوم، وورق كتير متبذر، صور قديمة من زمان متعلقة على الحيط، بس الوجوه فيها محوّه. مكتوب على إحدى الصور تاريخ من زمان قوي، وسنة كأنها بتقول "١٩٣٧".
رجع الليل، وتجدد الهسهسة. المرة دي الصوت كان بيناديه باسمه. "أحمد…" الصوت كان جاي من جوه البيت، من بين الجدران. خاف، بس كمان فضول قاتله. لبس جاكيت ومشي. دخل من باب جانبي لقرب البيت، وقرب من الشباك الكبير اللي مكسور. شاف حاجة خلت الدم يتجمد في عروقه: في جنب القوضة الكبيرة كان كرسي مهزوز بيلف لوحده، وكأن حد لسه قاعد فيه ولسه وقف. على الأرض كان فيه صفحات من دفتر صغير، والكلمات محفورة فيها بحبر قديم: "ما فيش هروب… احنا هنا."
رجع البيت بسرعه ونام النهار كله في نوم مش طبيعي. لما صحى لقى ابوه واقف جنبه بوشق غريب؛ كان عارف إن ابوه مش حزين كده عادة، لكن حسّ إن حاجة أكبر من الخوف. الولد قرر يكلم راجل كبير في الحي— عم فؤاد— اللي زمانه يعرف حكايات عن البيت. عم فؤاد قعد معاه في القهوة وسرد له اللي هو يعرفه: "البيت دا زمان كان بيت دكتور دخل في سِحر، ولما مات اختفى معاه ناس كتير. ألف مرة اتقفل، ألف مرة الناس حاولت تسيب المكان، لكن كل مره حد يرجع يمشي ويمسك البيت وعيشته تفقدها."
أحمد سمع والحكاية بتوجعه، لكن كان محتاج يكتشف أكتر. في ليلة تالتة، لما البيت كله نايم، سمع طرقات خفيفة على باب شقته. فتح لقى رسالة صغيرة تلصق: "لو عايز تعرف الحقيقة، ادخل." ومش مكتوب فيها مكان. بس العلامة كانت معروفة— السهم اللي في الخريطة اللي لقاها قبل كده. قلبه زلّ. راح بدون يفكر، وكأنه مش بيده القرار.
المرة دي دخل من الباب الرئيسي. الجو جوا كان مختلف؛ فيه رائحة عِطر قديم ومُعلّق، وعيون ما تتشافش بتتّبع خطواته. كل ما يتقدم خطوة، تِتجمع حواليه هدوء أعظم من قبل. وصل لغرفة كبيرة، فيها مراية قديمة وكأنها بتبتسم في نصها. لما قرب المراية، شاف في انعكاسه مش بس صورته— كان في صورة وراها ظل لشخص واقف، ماكانش منظر إنساني واضح، أكتر شبه أثر، لكن لما قلبه يدق، الحركة الصغيرة في المراية خلت جسده يقف. الصوت رجع: "خلصان… خلاصك هنا."
المهم، أحمد جري برا، وطلع على السطح وصرخ بأعلى صوته: "حد هنا؟!"، بس ردش. وفي نفس اللحظة حس بلمسة على كتفه ولفّ وراه— محدش. بس على الأرض كان فيه أثر كف، كأن حد مادي على وش الطوب لوقت قريب. من اليوم دا بقيت حياته أكتر تعقيد: النوم اختفى، الوساوس زادت، وشغله بدأ يقع. الليل بقي زمن الخوف الوحيد اللي مستنيه.
في آخر حاجة، أحمد قرر يعمل حاجة جريئة: جمع أصحابه— سامي، منى، وهنا— وقال لهم كل اللي شافه. واللي حصل بعد كده مش حاجة حد يتمنى يمر بيها. دخلوا البيت سوا، مش كأطفال، لكن كناس عايزين يقفلوا الباب. بعد ما دخلوا، الباب اتقفل وراهم لوحده. الضلمة كانت سميكة، والهوى وقف. في نص القعدة، لقوا دفتر قديم، وورق مكتوب عليه حاجة واحدة بس: "احنا مش ناسيين." فجأة الحيطان بدأت تهمس، والاسماء اللي كانوا يسمعوها قبل كده مالهاش حدود، والأرض تحس إنها هتزّ، لكن صوت منى اللي كانت بتحاول تقرأ حرف واحد في الدفتر صرخ: "انطلقوا! بسرعة!"
المدخل فتح، وطلعوا ومجرى الهواء رجع. لما لفّوا يبصوا ورا، البيت كان ساكت كأنه ما حصلش، لكن آثارهم على الارض ظلت، وخطوة واحدة من الخطوات اللي كانوا سامعينها اتشكّلت على السلم— علامة مش بشرية— وقبل ما يهربوا، سمعوا همسة أخيرة تقول: "مش هتبقوا لوحدكم طول ما المكان هنا." وفي اللحظة دي فهموا إن بيت رقم 7 مش مكان يتعاطى معاه بجرأة؛ ده مكان ليه ذاكرة، ولعبة الزمن، ولسه بيطلب صحبة.
