لعنة البيت اللي بيحكي
أنا عمري ما كنت أصدق في الحكايات اللي بتتقال عن البيوت المسكونة، ولا الأصوات اللي بتطلع من الحيطان، ولا إن في مكان ممكن يكون عايش أكتر من البشر. بس اللي حصل معايا خلاني أراجع كل حاجة كنت مؤمن بيها.
البيت ده… ماكانش بيت عادي. ده كان بيحكي.
الانتقال
بعد ما سبت شغلي في القاهرة، قررت أهرب من الزحمة والضغط، روحت قرية صغيرة محدش يعرفها غير أهلها. كنت عايز هدوء… وكنت عايز أكتب.
السمسار العجوز اللي ورّاني البيت كان بيبصلي بنظرة غريبة، وقاللي وهو بيمضغ كلامه: "البيت ده رخيص… بس ما بيحبش اللي يسكنه قوي."
ضحكت. دلوقتي نفسي أرجع بالزمن وأضرب نفسي القلم اللي ضحكته.
أول ليلة
أول ليلة كانت هادية زيادة عن اللزوم. سكون يخوف.
الساعة عدّت 12، وفجأة سمعت صوت حاجة بتتزحلق على الأرض.
كنت فاكرها قطة. بس الصوت كان تقيل… زي خطوات بني آدم حافي.
قومت من السرير، ولما فتحت باب الأوضة، الممر كان أطول من الطبيعي، والنور كان بيترعش.
الهمس
وأنا واقف، سمعت الصوت.
"اكتب…"
الصوت ماكانش جاي من اتجاه معين، كان جاي من كل حتة. من السقف، من الحيطان، من وداني.
قفلت الباب، قلبي كان هيطلع من صدري. بس الصوت فضل.
المرآة
دخلت الحمام أغسل وشي، لقيت المراية مسودة، كأن حد مولّع فيها نار.
مسحتها بإيدي… وما شفتش وشي.
شفت وشوش تانية.
ستات، رجالة، أطفال… كلهم عيونهم مفتوحة قوي، وبيصرخوا من غير صوت.
واحدة منهم مدت إيديها من المراية، لمست دراعي… وكانت ساقعة… سقعة مش طبيعية.
الحقيقة
في الدور الأرضي، لقيت باب صغير ورا الدولاب.
فتحت… ونزلت سلم ضيق.
أوضة تحت الأرض، حيطانها مليانة كلام محفور.
قصص… قصص ناس سكنوا البيت قبلي.
كل قصة بتنتهي بنفس الجملة:
"اللي يسمع الحكاية، يبقى منها."
البيت
فهمت.
البيت ما بيقتلش.
البيت بيحبس الناس جواه… في قصصه.
كل صرخة سمعتها، كانت لحد حاول يهرب.
الليالي
كل ليلة، الأصوات بتزيد.
طفل بيعيط وبيقول: "ماما سيبيني أطلع"
راجل بيصوت: "غصب عني… غصب عني"
والبيت… مبسوط.
والبيت… هيستناك.
الليلة اللي ما خلصتش
كنت فاكر إن أصعب حاجة عدّت… بس اللي جاي كان أسوأ.
بعد ما قريت الجملة المحفورة على الحيطان، الهواء في الأوضة تقِل، والشمعة اللي في إيدي طفت لوحدها.
سمعت صوت الباب اللي ورايا وهو بيتقفل. قفلت عليّ.
فضلت أضرب فيه، أزعق، أشتم، بس البيت ما ردش.
الكتاب
وسط الضلمة، لمحت حاجة على الأرض.
كتاب قديم، جلده أسود، ومتقفل بسلسلة.
أول ما لمسته، السلسلة وقعت.
الكتاب اتفتح لوحده.
وكانت أول صفحة مكتوب فيها اسمي.
مش اسم مشابه… اسمي أنا، بحروفه.
قصتي
قلّبت الصفحات، لقيت كل اللي حصل معايا مكتوب.
الانتقال، السمسار، أول ليلة، الأصوات…
لسه الصفحة الأخيرة فاضية.
وسمعت الهمس:
"كمّل…"
السمسار
فجأة، لقيته واقف قدامي.
السمسار العجوز.
بس مكنش شكله زي الأول.
وشه كان متشقق، وعينه الشمال سودة بالكامل.
قال بصوت مبحوح:
"أنا كنت زيك."
"سمعت الحكاية… وما لحقتش أهرب."
الحقيقة الكاملة
البيت اتبنى من مية سنة، على أرض كانت مقبرة.
كل اللي سكنوه، كانوا ناس بيكتبوا… قصاصين، شعراء، حكّائين.
البيت محتاج حد يكتبله، يغذيه.
ولو رفضت؟
تبقى صرخة.
المحاولة الأخيرة
جمعت شجاعتي، وولّعت نار في الكتاب.
البيت اهتز.
الحيطان صرخت.
الأصوات كلها اتحولت لصوت واحد، غضبان، مجنون.
"إنت ملكي!"
الهروب
الباب اتفتح فجأة.
جريت.
جريت من غير ما أبص ورايا.
البيت كان بيصرخ باسمي.
وأول ما خرجت، البيت سكت.
دلوقتي
عدّى شهور.
بس الأصوات لسه.
كل ما أقعد أكتب، بحس إن في حد واقف ورايا.
والكتاب…
بيرجع.
النهاية
دلوقتي أنا بكتب القصة دي، مش علشان أنقذك، ولا علشان أحذرك.
أنا بكتب علشان البيت عايز يحكي.
ولو وصلت لهنا، يبقى سمعت الحكاية.
