بيت آخر الشارع

قصة رعب

اسمي عادل عبدالسلام. كنت مصور حر وبشتغل على قناتي اللي بأنزل فيها لقطات من أماكن مهجورة. عمري ما كنت مقتنع إن في حاجة اسمها بيت مسكون بجد، لكن الليلة دي غيرت كل حاجة. البيت اللي في آخر الشارع كان واقف كأنه مستنيني، بيبصلي من بعيد بشكل يخلي أي حد يعيد حساباته قبل ما يقرب. وأنا كنت فاكر نفسي شجاع.

وصلت عند المغرب. الشارع كان هادي بشكل غريب، الهوا تقيل، والدنيا شبه واقفة. البوابة الحديد كانت مفتوحة نص فتحة كأن حد داخل من شوية. دفعتها برجلي ودخلت، وكل خطوة كانت بتغرز في التراب. البيت كان باين عليه الهجر من سنين طويلة، شبابيك مكسرة وباب خشب مشدود من فوق بس.

دخلت الصالة وأنا ماسك الكاميرا. أول ما رجلي لمست الأرض الخشبية حسيت ببرودة طلعت في جسمي كله. رفعت الكاميرا وبدأت أسجل، وقلت بصوت عالي: لو في حد هنا، ياريت ماتبقاش بخيل وادينا لقطة جامدة. ضحكت على نفسي، بس محدش رد. اللي رد عليّ كان صوت تكة خفيفة جاي من الدور اللي فوق، زي حد بيغير مكانه.

الكاميرا اللي على صدري كانت بتسجل صوت منخفض، ولما سمعت التسجيل بعد ثواني سمعت همسة ضعيفة، صوت خفيف بيقول كلمة واحدة: ارجع. وقفت مكاني وبصيت حوالي. مفيش حد. ريحة قديمة كانت مالية المكان، ريحة دخان بايت ممزوج بريحة تراب. كنت ممكن أرجع فعلاً، بس الفضول كان أقوى.

طلعت السلم الخشب، وكل درجة كانت بتطلع صرخة صغيرة. وصلت للدور اللي فوق، لقيت طرقة طويلة وفي آخرها باب مقفول. أول أوضة فتحتها كانت أوضة نوم، السرير نصه مكسور والبطانية متآكلة. على الحيطة كان في صورة ست، ووشها مش واضح، لكن عينيها باصين في الاتجاه اللي أنا واقف فيه، كأنها شايفاني من زمان.

قربت من الصورة، وفجأة حسيت بحاجة باردة بتعدي ورايا. لفّيت بسرعة، مفيش أي حد. العتمة كانت مأخوذة من ضوء القمر اللي داخل من شباك مكسور. الكاميرا سجلت حاجة غريبة، كانت صورة ضبابية بتعدي من ورايا.

رجعت للصالة اللي فوق، وسمعت صوت خطوات جاية من آخر الطرقة. خطوات بطيئة وتقلها غريب، كأنها خطوات حاجة مش ماشية على رجلين بشر. الصوت قرب، وأنا قلبي بيخبط في صدري. رفعت الكاميرا في اتجاه الصوت، لكن الطرقة كانت فاضية. فجأة الباب اللي في الآخر اتفتح لوحده، وبصوت صرير طويل.

قربت منه خطوة خطوة، والإضاءة كانت ضعيفة. في اللحظة اللي فتحت فيها الباب سمعت نفس الهمس من جديد: ارجع. المرة دي كان أوضح، وأقرب من وشي. حسيت بأنفاس باردة على رقبتي رغم إن مفيش حد. الأوضة كانت فاضية، لكن على الأرض كان في أثر تراب على هيئة قدم صغيرة لطفل. طفل؟ البيت مقفول من سنين.

سمعت صرخة قصيرة جاية من تحت، صرخة ست كبيرة. نزلت أجرى وأنا مش فاهم أي حاجة، ولما وصلت للصالة لقيت المراية الكبيرة اللي في الركن بتعكس صورة مش أنا. كان في راجل طويل، ضهره محني، عينه سودا واقف ورايا، ولما لفيت ملقتش حد. رجعت أبص في المراية لقيته بيقرب أكتر، وبيمد إيده ناحيتي.

المراية اتشقّت من النص، والصوت اللي كان همس بقى صرخة عالية: امشي قبل ما آخدك زي ما أخدت اللي قبلك. الصورة اللي على الحيطة وقعت، والزجاج اتناثر على الأرض. الريحة القديمة رجعت أقوى، وكان فيها حاجة شبه ريحة موت.

الجدران بدأت تتنفس، حرفيًا. صوت تنفس تقيل جاي من الشقوق. رجعت لورا وأنا ماسك الكاميرا، وكل ما أخد خطوة الورق بيتحرك، والستارة المقطوعة بتتهز من غير هوا. سمعت صوت خطوات صغيرة، صوت طفل بيجري في الدور اللي فوق.

البيت كله كان صاحي. كأنه فايق بعد سنين نوم، وقرر إنه مش هيسيبني أخرج بسهولة. كان عايز حاجة… وكان واضح إنه لسه مخلصش معايا.

خرجت أجري ناحية الباب الرئيسي، وكل ما أقرب منه كنت أحس كأنه بيبعد. الخشب كان بيتحرك قدامي، كأنه بيتنفس، وكأنه بيقوللي إن الخروج مش من حق أي حد يدخل هنا. زقّيت الباب جامد، مرة ورا التانية، لكنه كان ثابت، جامد زي الصخر، رغم إنه باين عليه إنه هيقع من لمسة.

وراء الباب سمعت حاجة بتزحف. الصوت كان بطيء، ماسخ، بيحفر في الأرض وهو ماشي. الصوت كان جاي من بره… يعني في حد كان مستنيني برا البيت. قرب أكتر، وصوت التنفس بقى مسموع. رفعت الكاميرا ناحية الباب المفتوح شق صغير، ولقيت عين… عين سودا واسعة، بتبص عليّ من بين فتحات الخشب.

رجعت لورا وأنا بصرّخ، بس الصوت ماطلعش. كأن البيت ابتلع صوتي. الغرفة كلها اسودّت، والنور اللي كان جاي من الشباك اختفى فجأة، كأن حد سحب ستارة سميكة على الدنيا كلها. حسيت بإيد باردة جدًا تمسك دراعي. الإيد دي مكنتش بشرية، صوابع طويلة ورفيعة، ومسامير بدل الضوافر. سحبتني ناحية المراية اللي اتشقّت قبل كده.

المراية بدأت تنور من جوّا. شفت فيها مش انعكاسي… لكن شفت نفس الراجل الطويل، ضهره محني وشعره نازل على وشه، وإيده التانية ماسكة طفل صغير. الطفل كان عمال يبصلي ودموعه نازلة. قاللي: ما تسيبنيش… بالله عليك ما تسيبني هنا.

الراجل الطويل غمغم بصوت تقيل طالع من جوف الأرض: الكل بيرجع… الكل لازم يبقى جزء من البيت. البيت جعان. البيت بيختار. وانت اتاخترت.

حاولت أسحب دراعي، لكن الإيد كانت ماسكاني بقوة مش طبيعية. جسمي بقى تقيل، ودقات قلبي بقيت عالية لدرجة إني حاسس بيها في وداني. واحد… اتنين… تلاتة… وبعدين الصوت اختفى. كل الأصوات اختفت. حتى تنفسي اختفى.

فجأة الإيد سابتني. وقعت على الأرض، روحي شبه هربت مني. ولما رفعت رأسي لقيت طفل صغير واقف قدامي، لابس هدوم قديمة مرقعة، وشه باين عليه إنه مات من زمان. قاللي بصوت خفيف: لو عايز تخرج… لازم تسمعني. محدش خرج من البيت ده قبل كده… بس يمكن… يمكن أنت تقدر.

قرب وشه مني وقال: هو بياكل كل اللي يدخله. بياكل روحهم الأول… وبعد كده بياكل وجودهم. البيت متوحش. والراجل اللي شوفته… ده مش صاحب البيت. ده أول واحد أكلته الجدران.

قلتله وأنا بتلعثم: وأنا؟ أنا مصيري إيه؟

بصلي بعينين مطفّيين من الروح وقال: انت عندك فرصة… واحدة بس. بس لازم تشوف اللي حصل في القبو. القبو هو اللي بيحبسه… وهو اللي ممكن يطلّعك.

قبل ما أسأله أي حاجة، اختفى فجأة. مش مشي… اختفى. الهواء نفسه بلعه. وقفت وأنا جسمي بيرتعش، وفتحت نور الكشاف، وبدأت أنزل على السلم اللي بيؤدي للقبو. كل درجة بنزلها كنت سامع صوت نفس… نفس حد واقف مستنيني تحت… مستني اللحظة اللي هلمس فيها الأرض.

كان لازم أكمل… ماكانش في رجوع خلاص.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال