حكاية رامي ونور
كان يا مكان، فى القاهرة، وبالتحديد فى حيّ ضَيّق بس مليان حياة، عاش شاب اسمه رامي. رامي شاب طيب، بسيط، دمّه خفيف وبيحب شغله فى ورشة نجارة صغيرة ورثها عن أبوه. حياته كانت رتيبة لكن مرتاحة: كل يوم شُغل، شاي بعد الظهر مع جيرانه، ومساءات قُصّرها وقصص زمان مع صاحبه حسن.
نُور بقى، كانت جارة جديدة سكنة فى نفس العمارة. نور كانت مختلفة: نظرة عيونها فيها حنان، وضحكتها فيها ثقة، وصوتها موسيقى لو واحد قعد يسمعه. ما كانتش من النوع اللي يخطف الأنفاس لدرجة إن الناس تبص وراها، لكن كانت من النوع اللي يسيب أثر فى القلب بدون ما حد يحس.
اللقاء الأول حصل فى زي ما بنقول بالصدفة. كان النهار ده الجو صيف، والروايح بتاعة الخبز ولحمة المشاوي بتتعالى من الشارع. رامي طالع يجري يجيب حاجة من السوق، وفجأة لقى نور واقفة قدام الدكان بتتكلم مع البائع عن نوعية القماش. ضحكته اتلاشت مع أول كلمة سمحته يسمعها من صوتها.
رامي ما كانش من النوع اللي يتكلم كتير مع البنات اللى ما يعرفهمش، لكن اليوم ده قدم نفسه بطريقة بسيطة: "السلام عليكم، أنا جاركم من محل النجارة تحت.. اسمي رامي". نور ردّت عليه بابتسامة وقالت: "وعليكم السلام، أنا نور، جديدة فى العمارة". وبعدها سابوا الموضوع وخد كل واحد اتجاهه، لكن رامي حس بحاجة مختلفة جوّه قلبه؛ حاجة زي فرحة صغيرة بتتكبر.
الأسبوع اللى بعده، بقى رامي يشوف نور كل يوم تقريبًا سواء فى السلم أو فى السوق القريب. كل لقاء قصير كان بيبقى سبب إن قلوبهم تِقَرّ. بدأوا يتكلموا فى حاجات بسيطة: الأكل، الشغل، والمرات اللى كانوا بيحبوا يقضوا فيها وقتهم. رامي عرف إن نور بتشتغل مصممة أزياء صغيرة على الإنترنت وبتحب القراءة، ونور عرفت إن رامي متجوزش ولسه حاطت على قلبه أمل فى يوم يلاقي حد يفهمه.
الاهتمام اتغير من مجرد مجاملات لصداقة رقيقة. كل واحد لقى فى التاني أمان كده بسيط؛ رامي وقف جنب نور لما كانت محتاجة واحد يساعدها تشيل شنطة تقيلة، ونور جبت له طماطم مقطعة لما سهر يعمل مِرَقَة وحكى لها عن مشروع صغير فى الورشة نفسه.
بعد شهر من التعارف، قرر حسن صاحبه يقفله وقاله: "يا عم روح خاطبها قبل ما حد ياخدها منك". رامي ضَحِك وقال: "أنا مش رايح خاطب، أنا بس هعرض عليها نزور معرض صغير للفنون فى النادي". المسألة كانت بسيطة وطبيعية، بس بالنسبة لرامي كانت خطوة كبيرة.
الموعد كان فى المساء، ونور جاءت بفستان بسيط ووشوشها منور. قعدوا فى مقهى جوّا المعرض وسط لوحات ملونة وأصوات عزف هادية. ساعات قليلة كانت كافية إن الحديث يبقى عميق: عن الطفولة، عن الحلم، وعن الجرح اللى كل واحد فيهم مرّ بيه قبل كده. رامي اتكلم عن أبيه، وشغفه بالنجارة، وعن خوفه من الفشل. نور اتكلمت عن أمها وعن رغبتها فى تأسيس ماركة صغيرة للأزياء تخلّي الناس تحس بالجمال البسيط.
العودة بقت هادئة؛ رجعوا سوا لحد باب العمارة والموقف اللى حصل هناك خلّى كل حاجة تتبدل. رامي ودعها وهو قلقان لكن مبسوط، ونور ترجعت البيت وقلبها فيها دقات سريعة. كل واحد فيهم حس إن بداية حاجة كويسة بدأت.
الأيام بقت تمر بسرعة ورا بعض، والحب بقى طبيعة فى يومهم. كانوا بيلاقوا نفسهم بيتقابلوا من غير ترتيب: فى الحاجات اليومية، فى مناسبة صغيرة، أو حتى فى نزلة تفصيل لقماش. رامي بدأ يخلي جزء من يومه عشان نور: يفطر ويحضر لها فطار بسيط، يسيب ورد صغير على باب شقتها، ويجيب معاها كوباية شاي لما تكون تعبانة من الشغل.
نور كانت برده بترد الجميل: تحضر لرامي قميص جديد مخصوص للورشة، أو تصمملُه شنطة صغيرة يحط فيها أدواته. الجو بينهم كان كله احترام وتقدير. مكنش في نوع من التنافس، بل تكامل: هما كانوا يكملوا بعض، يزودوا بعض قوة.
لكن مفيش علاقة تخلو من عقبات. الخلاف الأول كان بسيط لكنه متعلق بخوف قديم عند رامي: مسئولية الفشل. يوم من الأيام، رامي جه متأخر على موعدهم بسبب شغل اضطره يتأخر فيه. نور زعلت وقالت له بصراحة: "ما ينفعش دايمًا الشغل يكون له الأولوية على علاقتنا".
رامي حس إن كلامها فيه اتهام ليه، وهو زعلان إنه مش قادر يكون عندها فى كل لحظة. الكلام تطور وحصلت حاجة من حاجات الحياة: كلمة جاية كلمة، وكل واحد فيهم قاللى حاجات يمكن مكنش يقصدها. في اليوم ده رجع كل واحد لحاله وقعد يفكر: هل الحب كفاية؟ هل فيه مساحة للتنازل؟
بعد الخلاف، كل واحد رجع لهدوءه وفكر. رامي قرر إنه لازم يبقى أوضح فى مواعيده مع نور ويحاول يخصص لها وقت فعلي. نور برضه فهمت إن شُغل رامي مش بس مهنة؛ ده ليه قصة حياتية وتراث من أبوه، فبدل ما تضايق، بدأت تدعمه بطريقتها. الحوارات اللى بعد كده كانت أقوى وأعمق لأنهم بقت عندهم قدرة على الاعتراف بالأخطاء والحوار بدل الصمت أو الهروب.
بعد سنة من التعارف، حس رامي إن الوقت جه. جهز خطة بسيطة رومانسيّة على طريقته: جمع صور قديمة من ورشة أبيه، رتبها فى ألبوم وكتب تحت كل صورة كلمة شكر لوالده وللحياة، وقرر يطلب نور تكون شريكة حياته. يوم العرض كان فى آخر يوم قبل عيد ميلاد نور. ودّتها على كرسي فى حديقة جميلة جنب النهر، وبدأ يكلّمها عن قد إيه حياتها غيّرته وعن قد إيه هو حابب يكمل معاه مسيرة بسيطة لكن فيها سعادة.
نور دمعت عينها وقبلت بعد ما قالت "أيوه" بطريقتها الهادية اللى كلها ثقة ومحبة. الناس اللى حوالينهم فرحوا، وحسن صاحبه جري يباركلهم وراح جبّ لهم كعكة بسيطة من بيع الشارع. كانت لحظة صحيحة، بسيطة، وجميلة — على مزاج رامي نفسه.
التحضيرات للفرح ما كانتش حاجة كبيرة؛ هما مش من النوع اللى يحب الحاجات الكبيرة اللى تشغل بالهم عن الهدف. عملوا دعوات بسيطة، واتفقوا إن يكون الفرح فى بيت الأهل مع شوية أصدقاء قريبين. نور صممت فستانها بنفسها، ورامي رتّب الورشة لعرض بعض أعماله فى طاولة صغيرة فى الفرح علشان الناس تشوف شغل إيده وتبارك لهم.
العيلة من ناحية رامي اتقبلت نور بسرعة بسبب طيبة قلبها ولباقتها فى التعامل، وعيلة نور اتقبلت رامي لأنه واضح إنه راجل حنون ومسئول. اللمة كانت حلوة، والكل حس إن دا مش فرح لأحد بس، دا فرح لبيت جديد بيتولد.
الجواز بالنسبة لهم ما كانش نهاية، لكنه بداية أكبر. رامي ونور سكنوا فى شقة صغيرة جنب الورشة، وبدأوا يبنوا حياتهم خطوة بخطوة. صباحات رامي كانت بدري وكانوا بيشوفوا بعض قبل ما يروح كل واحد لشغله. نور كانت بتشتغل فى الأونلاين وتاخد طلبات تصميم من هنا وهناك، وبتساعد رامي فى شغل الورشة زمان عن طريق إنه يستشيرها فى تصميم كرسي أو واجهة.
الأيام كانت مليانة تفاصيل صغيرة بتحسّن علاقتهم: قعدة سهر على السطح، أكلة عملوها سوا لأول مرة وكانت فاشلة لكن ضحكوا، زيارة لأهل رامي فى البلد، ونزهة بسيطة فى آخر الشهر. هم اتفقوا إن اللي يهمهم هما بعض بس، وإنهم مش محتاجين حياة براقة علشان يكونوا مبسوطين.
بعد كام سنة، جات لرامي فرصة كبيرة: شركة تصميم داخلي كبيرة عرضت عليه شغل تصميم أثاث لمشروع ضخم فى مدينة جديدة. العرض كان مغري؛ مرتب أكبر وشهرة وشغل بمقياس أكبر من ورشته الصغيرة. لكن العرض كان محتاجه يسافر فترة طويلة ويترك الورشة ورايه.
الخيار كان صعب: هل يسيب الورشة ويغامر لفرصة تغير حياته؟ ولا يفضل على حاله ويكبر المشروع ببطء؟ نور غلب عليها الحماس أولها، لكنها خافت على استقرار البيت وعلى فكرة إن الشغل الكبير ممكن يبعده عنها. جلسوا واتكلموا طول الليل، وسألوا نفسهم أسئلة كبيرة عن الأولويات والطموح.
الأخير رامي قرر ياخد الفرصة لكن بشرط: إنه يحافظ على الاتصال يوميًا ويزور كلما يقدر، وإنه يدير الورشة عن بعد مع واحد من أصحابه لما يكون مسافر. نور وافقت، لكنها طلبت إن يكون فى خطة واضحة للعودة ولو لزم الأمر يوقف لو الشغل ما نجحش. الاتفاق كان ناضج وواضح، ودى كانت قوة علاقتهم: الحوار والاتفاق على الحلول بدل الاتهام أو الهروب.
الابتعاد كان صعب. رامي سافر فعلاً وقعد فى المدينة التانية شهور طويلة. الشهور دول كانت فيها شوق كبير، ساعات من الاشتياق بتخلّي قلب واحد فيهم يتقطع. لكن بالرغم من المسافة، كانوا دايمًا بيتكلموا بالفديو، وبيرتبوا مواعيد للاتصال، ونور كانت تبعت له صور من الورشة وتطمنّه على كل حاجة.
العرض نجح بدرجة كويسة، وسمعة رامي بدأت تنتشر فى أوساط التصميم. نجح فى مشروعين كبار، وافتتح شغل جديد صغير هناك، لكنه ما نسيش وعده نور: كل شوية ييجي يزور.
بعد سنة، قرر إنه يرجع. رجوعه ما كانش مجرد رجوع للشغل بس؛ كان رجوع لعلاقة اتقوت وصارت أكتر وعيًا. رجع لورشته الاتنين مع بعض طوّروا شغلهم، وفتحوا صفحة جديدة جمعت بين خبرة رامي وتصاميم نور. اشتغلوا على مشروع مشترك صغير بدأ يكبر بمرور الوقت.
بعد كام سنة، ربنا رزقهم طفلين — بنت وولد — وأضافوا للحياة بهجة خاصة. التربية كانت صفحة جديدة اتعلموا فيها يتعاملوا بصبر ومحبة. رامي بقى بيقول دائمًا إن اللي اتعلمه فى الشغل ساعده جدًا فى التربية: الصبر على التفاصيل، والتدرج فى الإنجاز.
نور بقت توازن مثالي بين البيت والشغل؛ كانت تصمم فساتين صغيرة وتشاركهم فى السوق المحلي، واسمهم بدأ يبقى معروف فى الحي. الحكاية اتطورت من مجرد حب بسيط فى السلم إلى عيلة صغيرة مليانة حب واحترام.
الكلام اللى كانوا دايمًا يرجعوله مع بعض: إن الحب مش معجزة بتحل كل حاجة، لكنه اختيار يومي. اختيار إنك تصبر، تختار الحوار بدل الصمت، وتدي طرف التاني فرصة يكبر ويخطئ ويتعلم. رامي ونور كانوا دايمًا بيفضلوا يفتكروا بداياتهم البسيطة عشان ميغترروش ويقعدوا على قد ما عندهم من رضا وحب.
وبكده، تفضل حكايتهم مستمرة: يوم ورا يوم، تفاصيل بسيطة، ومواقف بتبني وتثبت. رامي ونور عرفوا إن السعادة مش فى لحظة كبيرة بس، لكن فى آلاف اللحظات الصغيرة اللى بيختاروها لبعض. وربما، فى يوم من الأيام، يحكوا لأولادهم نفس الحكاية علشان يعرفوا إن الحب الحقيقي ممكن يعيش فى أبسط الأشياء.
نهاية الحكاية؟ مش نهاية، بس فصل من حياة طويلة لسه بتتكتب.
وفى السنين اللى بعدها، بدأت تفاصيل حياتهم تكبر زى الشجر اللى بيطلع من بذرة صغيرة. كل يوم كان ليه حكايته، وكان الحب بينهم بيزيد كل ما يواجهوا حاجة جديدة سوا. نور ابتدت تشتغل أكتر، وعملت صفحة خاصة بيها على الإنترنت بقت عليها شهرة صغيرة، وناس كتير بدأت تطلب منها تصميمات مختلفة. رامي كان فخور بيها جدًا، وكل ما يشوف نجاح جديد ليها كان قلبه يوسع.
وفى ليلة من الليالى، كانوا قاعدين على السطح، والهواء كان عليل، والقمر منور الدنيا. نور قالت له: "عارف يا رامي… ساعات بخاف إن النجاح يغيرني." رامي ضحك وقال: "لو اتغيرتي يبقى هتتغيري للأحسن. وبعدين أنا هنا، هفكرك دايمًا بنور اللى عرفتها أول يوم." الكلام بسيط، بس دخل قلبها زى البلسم.
وممرت الشهور، وفضلوا يكبروا سوا. رامي طور الورشة، وجاب معدات حديثة، وبدأ يشتغل مع مهندسين كبار. نور كمان بقت تعمل كولكشن كامل من الشنط والفساتين، وكل مرة كانت تعرضهم على رامي، اللى كان دايمًا يقول رأيه بصراحة ويشجعها إنها تكمل.
لكن الحياة مش دايمًا ماشية على سطر واحد. مرة من المرات، نور تعبت تعب شديد، واضطرت تقعد فى البيت فترة طويلة. كانت خايفة الشغل يقف، والناس تنساها. رامي كان كل يوم يحاول يهون عليها، يقولها إن صحتها أهم من أى حاجة، وإن الشغل عمره ما هيروح. كان يجهز لها أكلة بتحبها، ويقعد جنبها يحكيلها قصص عن الزباين اللى بييجوا الورشة ويضحّكها.
وبعد ما خفت، رجعت أقوى من الأول، وكأن التعب كان محطة عشان تراجع نفسها وترجع بتركيز أكبر. رامي لاحظ ده، وكان فخور بيها أكتر من أى وقت فات.
وفى يوم مطر قوى، كانوا قاعدين يسمعوا صوت المطر على الشبابيك، ونور كانت بتحكى لرامي عن مستقبلها. قالت له: "نفسي نفتح محل صغير، يبقى لينا إحنا الاتنين. يبقى فيه جزء لشغلك، وجزء لشغلي." رامي فكر وقال: "فكرة عظيمة، ونقدر نعملها. المهم نمشي خطوة خطوة." وبدأوا يحطوا خطة فعلًا، ويدرسوا المكان المناسب، والديكور، والميزانية.
ومع الوقت، المحل اتفتح، وبقى مكان جميل مليان روحهم هما الاتنين. رامي كان بيعرض قطع النجارة الفنية، ونور كانت بيها شنط وفساتين ومفارش كلها من شغل إيديها. الناس كانت تدخل تبص وتنبهر، وتقول إن المكان فيه روح مختلفة. هما كانوا عارفين السبب: روح الحب اللى بين رامي ونور.
وفى ليلة الافتتاح، وقفوا جنب بعض، ونور مسكت إيده وقالت له: "انت سبب كل ده يا رامي." قال لها: "لأ، إحنا الاثنين السبب. الحب لما يكون صادق، بيبني حاجات كتير."
ومرت الأيام، وكبرت العيلة، وكبر المحل، وكبرت أحلامهم. كل يوم كانت قصة جديدة، وكل لحظة كانت ذكرى بتتكتب فى دفترهم. واللى يمكن محدش يعرفه، إن كل ده بدأ من صدفة بسيطة قدام محل صغير فى شارع مزدحم.
وتفضل الحكاية مستمرة، تكبر معاهم ومع أولادهم، وتفضل نور تقول لرامي كل فترة: "تفتكر أول مرة شفتني؟" ويضحك ويقول: "ده أنا فاكر الصوت قبل الشكل." وتضحك هى كمان، ويحسوا إن الأيام مهما عدت، فى حاجات مبتروحش… زى الحب الحقيقي.
ومن اللحظات اللي عمرهم ما نسيوها، كانت الفترة اللي بعد افتتاح المحل بسنة تقريبًا. الشغل كان ماشي كويس، لكن كان محتاج تنظيم أكبر. نور كانت شايفة إنهم لازم يجيبوا مساعد أو مساعدة تساعدهم في البيع والترتيب. رامي، بطبعه اللي بيحب يعمل كل حاجة بإيده، كان متردد. قال لها: "أنا خايف حد يخرب الشغل، وبعدين أنا متعود أتعامل مع الزباين بطريقتي." نور ردّت بابتسامة: "ما تقلقش يا رامي، اللي هندخّله هيكون زينا وعايز ينجح معانا." وبعد شوية حوار، اتفقوا يبحثوا عن حد مناسب.
وبعد مقابلات كتير، اختاروا بنت اسمها "مليكة"، بنت بسيطة، شاطرة وفاهمة فى التعامل. وجودها فعلاً خفّف عنهم كتير. نور بقت تلاقي وقت تعمل كوليكشن جديدة، ورامي بقى يقدر يركز في الشغل اليدوي اللي محتاج دقة وهدوء. ومع مرور الوقت، المحل ما كانش مجرد مكان شغل، ده بقى جزء من حياتهم اليومية، مكان فيه ذكرياتهم، ضحكاتهم، وخناقاتهم الصغيرة اللي بتنتهي دايمًا بصلح وتفاهم.
وفى يوم، نور جالها طلب تصميم كبير من عميلة مشهورة على السوشيال ميديا. الطلب كان محتاج وقت طويل ومجهود وتركيز. نور كانت خايفة تفشل أو إن التصميم ما يعجبش الزبونة. لكن رامي شجعها وقال لها: "انتي شاطرة، وعمرك ما خيبتّي ظني. اعملي اللي تقدري عليه وربنا هيكرمك." فعلاً اشتغلت عليه أيام طويلة، وكانت تنام ساعات قليلة، وكل مرة كانت تحس إنها هتنهار، تلاقي رامي جايب لها شاي وبيقول: "كمّلي… انتي قدها."
ولما خلصت التصميم وسلمته، الزبونة انبهرت جدًا، ونزلت بوست تشكرها فيه. البوست ده فتح لنور أبواب كتير، وطلبات التصميم بقت أكتر من قدرتها لوحدها. بقت تفكر تفتح ورشة صغيرة خاصة بيها، ورامي كان أول واحد يشجعها، وقال لها: "ما دام ربنا فتح أبواب، امشي فيها… وأنا معاكي."
وفي وسط كل الإنجازات دي، كان فيه جانب شخصي برده بيكبر؛ علاقتهم كانت بتتعمّق يوم بعد يوم. كانوا بيقعدوا يحكوا لبعض عن مخاوفهم الحقيقية، عن الأيام اللي كانوا فاكرين إنهم مش هيقوموا منها، وعن أحلام الطفولة اللي كانوا فاكرين إنها راحت. وكل مرة كانوا يحكوا فيها، كانوا يقربوا من بعض أكتر.
ومرت سنة تانية، وقرروا يعملوا أول سفرية ليهم بعد الجواز. مكان بسيط على البحر، من غير فخامة ولا رفاهية. الفكرة كانت إنهم يهربوا من زحمة الحياة شوية ويقضوا وقت لوحدهم. هناك، على صوت الموج، نور قالت لرامي: "عمرك حسيت إن حياتنا كانت ممكن تبقى مختلفة؟" رامي قال: "طبعًا… بس عمري ما تمنيت غير اللي حصل. انتي خير اللي حصل لي." الكلمتين دول كانوا كفاية يخّلوها تبكي من فرحتها.
وفي يوم، وإحنا راجعين من السفر، حصل موقف بسيط لكنه غيّر حاجات كتير. عربية خبطت رامي خبطة خفيفة، ولولا ستر ربنا كان ممكن يحصل الأسوأ. نور اتخضّت بطريقة غير طبيعية، وفضلت تبكي طول اليوم. وقتها رامي فهم قد إيه قيمته عندها، وقد إيه هي مش بس بتحبه… دي متعلقة بيه لدرجة إن أي حاجة تأذيه بتوجعها هي كمان. الحادثة دي خلتهم يعيدوا حساباتهم، وقرروا يقللوا ضغط الشغل شوية، ويعيشوا أيامهم على قد ما يقدروا بهدوء ومتعة.
ومرت شهور، ونور بدأت ورشتها فعليًا، وبقت توظّف بنات موهوبات وتعلمهم. كانت شايفة إن دعمها ليهم نوع من رد الجميل لحياتها اللي اتغيرت. رامي كان دايمًا موجود جنبها، يشجعها، ويعرض عليها تساعد في تصميمات خشبية للديكور، وبقت منتجاتهم مشتركة في محلات كبيرة.
ومع كل تطور في شغلهم، كانت حياتهم في البيت بقت أهدى وأنضج. بقى في بينهم لغة خاصة. مجرد نظرة منهم تكفي إنها توصل مشاعر كتيرة. نور كانت أحيانًا تقف تبص عليه وهو شغال في قطعة خشب، وتحس كأنها بتشوفه لأول مرة. كانت بتحس باحترام كبير لشغفه. هو كمان كان يبص لها وهي بترسم تصميم جديد ويقول لنفسه: "البنت دي نعمة ربنا بعتها لي."
وفي يوم من الأيام، نور اكتشفت إنها حامل للمرة التانية. المرة دي كانت مختلفة؛ كانت أكثر هدوءًا وأكتر نضجًا. لما قالت لرامي، مسك إيدها وقال لها: "البيت هيزيد نور." الجملة دي خلتها تحس بأمان وراحة.
وفي شهور الحمل، كان رامي بيتولى كل شغل البيت تقريبًا، ويهتم ببنته الصغيرة، وكان دايمًا يقول: "ده مش واجب… ده شرف." نور كانت تحس إن وجوده حواليها في المرحلة دي كان أكبر دعم نفسي ممكن تاخده.
ومع ولادة طفلهم الجديد، البيت بقى ممتلئ أكتر بالضحك والصراخ واللخبطة الجميلة اللي بتعمل ذكريات. كانوا يحسوا إن ربنا كرمهم بحياة تستاهل الشكر كل يوم.
وبعد فترة، قعدوا سوا في ليلة هادية بعد ما الأولاد ناموا، ونور قالت له: "رامي… افتكر بداية كل ده؟ محل صغير، صدفة بسيطة…" رامي ضحك وقال: "أيوة… وافتكر صوتك اللي عرفته قبل شكلك." ردت: "ولو الزمن رجع بيا، كنت هختارك كل مرة."
الكلام ده كان آخر صفحة في يوم طويل، لكن كان بداية ليوم جديد في حياة بتكبر معاهم. وبين كل يوم والتاني، كانوا بيكتبوا، بدون ما يقصدوا، قصة أطول بكتير من 5000 كلمة… قصة عمر.
وفي اللحظة اللي كان كل شيء فيها باين إنه هادي، جه صوت خبط شديد على باب الشقة، صوت يخوّف، يخليك تحس إن في حد واقف برا وبيعافر يدخل… سليم وقف مكانه، عينه اتجمدت، وقلبه بيدق بسرعة غريبة. ليلى حست إن الجو بقى أبرد فجأة، قربت منه وقالت بصوت واطي: "سليم… في حد؟". هو ماكنش عارف يرد، بس الخط التاني من الخبط كان أقوى، وكأن اللي برا مستعجل… أو غاضب… أو بيطالب بحقه! سليم مدّ إيده على مقبض الباب، بس قبل ما يفتحه، سمع همسة مش واضحة جايه من الاتجاه التاني من الشقة، همسة ضعيفة كأنها بتنطقه اسمه: "سلييييم…". لف بسرعة، بس ماكانش في حد… الدنيا ساكتة… والهوى واقف… وليلى واقفة وراه متشبّه فيه، بس عنيها بتلف يمين وشمال بخوف. المشهد كان غريب لدرجة إن عقلهم ما بقاش قادر يفسره… هل في حد واقف برا؟ ولا في حد جوه؟ ولا كل ده صدفة؟… ولا بداية لحاجة أكبر بكتير من مجرد قصة حب؟
