مريم وقوضتها المسكونة
في ليلة برد وشتا، مريم كانت قاعدة في شقتها لوحدها. المطر بيطرطق على الشباك، والراديو مشغّل مواس منهاغير موسيقى هادية، وكانت هي بتحاول تذاكر للامتحان الجاي. الشقة سكات تام، بس في إيدها كوباية شاي بتتخلخل كل شوية من صوت الهواء.
القوضة اللي ورا، الباب بتاعها دايمًا مقفول من زمان. مفيش حد بيدخلها، أصلها مليانة حاجات قديمة وصور ومفارش منسنها ومفاتح بايظة. بس الليلة… بدأت تسمع صوت طقطقة بسيط جاي من ورا الباب.
في الأول افتكّرت إن الصوت من البلكونة أو من العمارة، لكن الصوت اتكرر بشكل منتظم، زيه زي حد بيلمس الحيطة، وبقى واضح إن مصدره من جوة القوضة.
مريم حاولت تتجاهل لكن قلبها كان بيعلى يعلى. سمعت خربشة على الأرض، وبعدها الجهاز اللي جنبها وقع لوحده من غير ما حد يمسه. ضوء اللمبة بدأ يطفي وينور بسرعة، وكأنها بتتراقص مع نفس مش مفهوم.
وبينما هي قاعدة فاكرة إنها هتعيط، سمعت صوت خطوات جاية من القوضة—خطوات بطيئة ومقفية، كأنها ماشية على الأرض وهي مبلولة بالعصا. مريم قفلت الراديو وبصت حواليها، الهواء باين عليه متجمّد، والخوف خلاها تحبّس نفسها.
بعد شوية، قامت وهتشتري نفسها، وراحت ناحية باب القوضة. إيدها كانت بترتعش وهي بتحط على مقبض الباب. لما لمست المقبض—كانت سخنة! ودي حاجة ما كانتش منطقية، لأن الجو برة ساقع.
فتحت الباب ببطء، والأرضية جمبه فيها ضوء خفيف جاي من الشباك. دخلت وبصّت على الحاجات القديمة، والريحة كانت ريحة تراب وورق قديم. لقت على المكتب صورة قديمة مرمية على جنب—صورة ليها هي وصاحبتها ليلى اللي ماتت قبل تلات سنين فى حادثة. الصورة كانت متعرّشة، وكأن حد مرسوم حوالين وشها دايرة حمراء بالقلم.
وهنا حصل اللي مريم ماكنتش متوقعاه—سمعت صوت نفس واطي جنب ودنها بيقول اسمها: "مريم..."
الجسم اللي في الظل بدأ ياخد شكل، ظل طويل وشبه باهت، وعيونه بتلمع ضيّ خفيف. مريم حاولت تصرّخ بس صوتها لمّا حاول يطلع اتبلع. القوضة فجأة كانت ضيقة وكل حاجة حواليها بتنكمش.
الظل قرب منها، وكان ماسك نفس الصورة اللي على المكتب. رفع الصورة عند وش مريم، وبصّ عليها كده وبيقهقه بعينيه بس من غير ما يحسّ بأي كلمة. مريم حاولت تجرّ صورة تاني من إيده لكنه كان تقيل زي الحديد.
وفجأة، الصورة اتغيرت—وش ليلى اللي كانت واضحة قبل شوية، بقى وجهها مشوش وممسوح، وفيه علامة غريبة على جبينها شكل سهم. والهوى اللي دخل من الشباك ساب على الأرض أثر زي حروف مش مفسرة.
مريم لقت نفسها بتجري برا الشقة، واجمة في نص الأوضة الكبيرة، بتحاول تأخذ نفس عميق وهي بتصلّي في سَرّها. باب الشقة قفل لوحده وراها، ولما بصت من الزجاج لقت ظل واقف قدام باب القوضة بيبص عليها من غير حركة.
كانت رُعبها مش مجرد خوف، كان احساس إن اللي جوّه القوضة مش بيطلب منها حاجة غير إنها تفتكر حاجة منسية—ذكريات ليلى، وعد صامت، أو لغز قديم في الشقة دي.
في الليالي اللي بعدها، مريم حاولت تعرف أكتر عن ليلى. سألت الجيران والناس اللي كانت تعرفها، واكتشفت إن ليلى كانت بتلعب لعبة قديمة مع شلة كانت بتجتمع في الشقة دي زمان—لعبة اسمها "تسألي القوضة". اللعبة دي كانوا بيكتبو فيها أسئلة على ورق ويرمّوها في صندوق في القوضة، واللي يسحب يجاوب. ليلى كانت آخر واحدة سحبت ورقة قبل الحادث.
مريم قلبها اتقل. يمكن الروح بتدور على إجابة، أو على حد يكمل اللعبة. قررت إنها ترجع القوضة لحالتها وترجع الصندوق وتجرب تقوم تسأل. جمعت تلات ورقات ورمتهم في الصندوق وقالت: "لو في حد هنا، رد عليا بحقّ ليلى".
الصندوق اهتزّ وخبط من جواه. ورقة طلعت لوحدها، مكتوب عليها بخط مش واضح: "محدش يرجع اللي اتاخد". وفجأة انطفى النور في كل الشقة، وبقّت الدنيا صمت تقيل. مريم كانت قلبها بيقف، وسمعت صوت نَفَس وراه بقاله سنين.
رجعت لقاعدة، وعيونها بتدمع من الخوف، والصوت تقبّل يقول: "ارجع اللي اتاخد... ارجع اللي اتاخد...". مريم كانت فاهمة إن في حاجة مفقودة هنا، مش مجرد روح تاخد مكان ولا حاجة.
بحثت في الشقة لقيت صندوق قديم مقفول تحت البلاكونة. كان رقمه مثبت عليه وبرقة مكتوب: "ذكريات ليلى". لما فتحته لقت فيه دفتر صغير، فيه صفحات مكتوبة ومجموعة صور قديمة وكمان ورقونه تكسرت. وعلى آخر صفحة كان في سطر واحد مكتوب: "ما تكملوش اللعبة بعدي".
وبينما هي بتقرا، سمعت الباب بتاع القوضة يرن كأنه حد بيقرع، لكن الصوت ده كان جاي من جفاف الأرض. فتحات الشباك بدأت تهز، والهوى جاب ريحة بحر مع رائحة ورد ذابل. والظل ظهر تاني، بس المرة دي كان جنبه نبرة صوت مش حلوة بتقول: "ارجعيه... ارجعيه..."
مريم ما فهمتش فين اللي اتاخد ولا بتاع مين، لكن حسّت إن لازم ترجع الدفتر والصور للصندوق وتدفنه في الأرض جنب الشجرة اللي جنب العمارة. سابت الشقة ومشيت في الشارع بيديها بتتلج، وكانت الدموع على خابتها.
دفنت الصندوق تحت شجرة بندق قديمة، وبعدين رجعت للبيت. في نفس الليل، الباب اللي ورا، اللي طول عمره مسكر، اتفتح لوحده على مصراعيه. داخل القوضة، على المكتب، الصورة اللي كانت لیها وليلى، بقت نضيفة كأن مفيش حاجة حصلت، ومريم لقت جنبها ورقة صغيرة مكتوب عليها: "متشكرين".
من اليوم ده، الصوت قِلّ تدريجيًا، والطقطقة اختفت، والشقة رجعت تهدى شويه. مش معناه ان كل حاجة رجعت عادي—مريم دايمًا كانت حاسة بنظرة من وراها لو وقفت في نص البيت، وكأن في عين بتراقب الحكاية لكن دلوقتي بقى في سلام هش.
ملاحظة: القصة دي بتحب تحسس إن بعض الحاجات اللي بنخبيها جوة ممكن ترجع تفرقنا. ساعات الأرواح مش دايمًا عايزة تخوف—ممكن تكون بتدور على حاجة بسيطة: اسم، وعد، أو اعتذار ما اتقالش.
