حكاية بين قلبين
كان الحيّ الشعبي في آخر الليل ليه طعم تاني… ريحة العشاء المتأخر طالعة من البيوت، وصوت القهاوي بيهدى، والناس اللي راجعة من شغلها ماشية بخطوات تقيلة. وفي وسط دا كله… كانت “ملك” ماشية بسرعة، ماسكة شنطتها بإيدها زي اللي خايفة تضيع منها حاجة.
ملك بنت بسيطة، جمالها مش صاخب… لكنه مريح. عندها عينين سُمر كده أول ما تبصّ فيهم تحس بحنية غريبة. كانت راجعة من درسها متأخر كالعادة، وبالذات اليوم اللي الشتا فيه قرر ينزل من غير سابق إنذار.
لما وصلت عند آخر الشارع، شافت لمبة محل “ياسين” لسه منوّرة. ياسين… الشاب اللي كل بنات المنطقة بتتكلم عنه، مش علشان وسامته بس، لكن علشان قلبه الطيب اللي مخبّيه تحت طبقة عناد وهدوء.
ملك قالت لنفسها: "لا يا بنتي… إنتي ماشية كويس، إوعي تدخلي عنده من غير سبب." بس أول ما الهوى علي وشرابها اتبل، لقت نفسها واقفة قدام باب المحل من غير ما تقصد.
دفعته هوا خفيف وخرج واقف عند الباب، ماسك فوطة في إيده وقال: "بتعدّي من هنا من غير ما تقولي مساء الخير يا ملك؟"
هي اتلخبطت وقالت: "كنت ماشية… والدنيا مطرت فجأة." ضحك وقال: "طب دخلي جوه، هتسقّعي كده."
دخلت بخجل بسيط، وقلبها بيدق بطريقة غريبة… كإنها أول مرة تشوفه. المحل كان صغير، مليان ريحة خشب جديدة وحاجة ريحتها تشبه العِطر اللي ياسين دايماً بيستعمله.
قال لها وهو بيقرب كرسي: "اقعدي… هعملّك شاي سخن." قالت بسرعة: "لأ والله… ما تتعبش نفسك." رفع حاجبه وقال بثقة: "وإنتي فاكرة إني هسمع كلامك؟"
جملة بسيطة… بس قلبها وقع بعدها بثواني.
قعدت تبص حواليها لحد ما سمعته بيقرب بالكوباية. “اتفضلي.” مسكتها وقالت: “إنت ليه لسه صحيان؟” رد وهو يقعد قدامها: “مستني.” ميلت راسها: “مستني إيه؟” ابتسم وقال الجملة اللي خلت وشها يحمّر: “مستني أشوفك معدّية.”
اللحظة كانت جميلة… بس اتقطعت فجأة لما باب المحل خبط جامد. ياسين قام بسرعة، وملك اتفزعت. فتح الباب… وظهر “حازم”، ابن عم ملك، اللي كان بيحبها من زمان ومخبي. بصّ لياسين بنظرة مش لطيفة وقال: “هي إيه اللي قاعدة هنا لوحدها؟”
ملك قالت بسرعة: “يا حازم… مطرت والدنيا برد، بس.” بس هو كان مركز في حاجة واحدة… إن ملك قعدت في محل ياسين.
ياسين رد بهدوء بارد: “دي ضيفتي… وجاية تتدفّى.” حازم تقريبًا اشتعل: “طب كنت تبعتهالي البيت.” ياسين قرب خطوة وقال: “وأنا مالي؟ هي اللي وقفت عند الباب.”
ملك حسّت إن الدنيا هتنفجر بينهم… وقفت وقالت: “بس بقى… أنا همشي.” بس ياسين قال: “مش هتمشي في الشتا دي.” وحازم قال: “هتمشي معايا أنا.”
وتحطّت ملك بين نارين… نار الحب اللي عمرها ما اعترفت بيه… ونار الغيرة اللي مش عارفة تتعامل معاها.
خرجت مع حازم، بس وهي ماشية سمعت صوت ياسين يناديها من وراها… مش بصوت عالي… لكن بصوت مجروح. "ملك…" اتلفت، لقت عينه فيها سؤال… سؤال واحد: "مسمّحاني؟ ولا لأ؟" لكنها ما قدرتش تجاوب… وراحت مع حازم والقلق مالي قلبها.
ومن اللحظة دي… بدأت الحكاية اللي قلبين فيها هيتعذبوا… ويتخانقوا… ويتحبّوا… بس مفيش حد يعرف النهاية هتروح لفين.
عدّت أيام بعد اللي حصل… وملك كانت بتحاول تهرب من أي لقاء ممكن يجمعها بياسين. مش علشان مش عايزة تشوفه… بالعكس، قلبها كان بيتشدّ له كل ساعة. بس المشكلة إنها مش عارفة عملت إيه غلط… وليه من يوم المطر ده وهي حاسة إن حياتها اتشقّت نصين.
حازم، ابن عمها، كان بيستغل بُعدها عن ياسين… يقرب… يهتم… يحاول يبقي هو الوحيد اللي حواليها. بس ملك كانت دايمًا تايهة، مش حاسة بالراحة غير لما تفتكر ضحكة ياسين، أو طريقته وهو بيقول: “دي ضيفتي…”
ياسين من ناحيته؟ كان زعلان… بس مش منها. زعلان من نفسه… إنه سابها تمشي. وإنه اتخانق مع حازم قدامها… وإنه بيحبّها بقاله سنين ومش عارف يقول.
المواجهة الأولى
في يوم… ملك كانت نازلة تشترى شوية حاجات من تحت. وهي ماشية في الشارع… سمعت الباب الحديد بتاع محل ياسين بيتفتح. قلبها ضرب… وشهقت من غير صوت.
خرج وهو ماسك كراتين، ولما شافها وقف مكانه. هي قالت بهدوء خفيف: “إزيك يا ياسين.” رد بسرعة: “كويس… وإنتي؟” سكتت ثواني وقالت: “أنا… تمام.”
كان في جدار كبير بينهم… بس عينيهم قالت كل اللي مش قادرين يقولوه.
ياسين قال: “ملك… انتي زعلانة مني؟” هزت راسها: “لأ.” قال: “طب ليه بقيتي بتعدّي من شارع تاني؟” اتلخبطت وقالت: “مش قصدي… كنت مشغولة.” قرب خطوة: “ملك… أنا خايف تكوني فهمتيني غلط.” البنت قلبها وقع… بس قالت: “مفيش حاجة.” بس عينيها فضحتها.
ياسين قال بهدوء: “لو في حاجة… قولي.” ملك حاولت تسيطر على رعشة صوتها وقالت: “أنا همشي… عندي شغل.” ومشت بسرعة… بس كانت حاسة إنه بيبص على ضهرها لحد آخر الشارع.
العاصفة اللي قلبت كل حاجة
بعد يومين… الدنيا عملت عاصفة كبيرة. ريح وصوت رعد يخوّف أي حد. ملك كانت في البيت لوحدها، مامتها راحت تزور خالتها في المستشفى. وفجأة… النور قطع.
ملك اتوترت… فضلت تدور على كشاف، بس الشقة ضلمة قوي. ولما فتحت الشباك تبص… لقت الشارع فاضي تمامًا.
بعد دقيقة… اتخبط باب الشقة. ملك اتجمدت في مكانها. “مين؟” محدش رد. “مين؟!” وبرضه مفيش صوت غير العاصفة.
لما قربت للباب بخوف… سمعت صوت مألوف يقول: “ملك… افتحي.” كان صوت ياسين.
فتحت الباب بسرعة وهي مرعوبة: “إنت؟ في إيه؟” قال بنبرة قلقة: “نور المحل قطع… ولما بصيت لقيت نور بيتكم مطفي… فقلقت.” ردت: “أنا كويسة.” قال: “طب سيبيني أتأكد.”
دخل… وفضل يشوف الشبابيك مقفولة ولا لأ، ويتأكد إن مفيش أي مخاطر. ملك كانت واقفة ورا الكرسي، عينيها بتتابعه وهو بيتحرك جوه البيت كإنه جزء منه.
لما خلص… قال: “تمام… بس لو خفتي تعالي عندنا.” ملك قالت بخجل: “أنا تمام.” بس العاصفة خلت صوتها يتقطع.
ياسين قرب منها وقال: “ملك… إنتي خايفة؟” عينها اتملت دموع وقالت: “لا… بس الصوت عالي.” هو زفر وحس إن قلبه اتسحب وقال: “تعالي… ما تخافيش.” ومد إيده.
ملك بصّت على إيده… وبعدين بصّت له. ولأول مرة… مسكت إيده.
لحظة قصيرة… بس كأن الزمن وقف.
اعتراف نصه خوف ونصه حب
قعدوا جنب الشباك، يسمعوا صوت المطر اللي نازل زي الطبول. ياسين قال بصوت منخفض: “ملك… أنا عايز أقولك حاجة.” هي اتوترت: “إيه؟” رد: “أنا من يوم ما شفتيكي واقفة على باب المحل… قلبي ما بقاش ملكي.” هي ما ردتش… بس دموعها نزلت.
قال بسرعة: “أوعي تبكي… أنا آسف.” قالت وهي تمسح خدها: “مش منك… منّي.” “ليه؟” “علشان… مش عارفة اتصرف.”
قرب وشه لها وقال: “ملك… أنا مبخفش من حاجة في الدنيا… إلا إني أكون تقيل عليكي.” هزت راسها بسرعة: “إنت مش تقيل… أبداً.” سألها: “طب… إنتي بتحبيني؟” ملك اتجمدت… وبعدين همست: “أنا… بحس إني مرتاحة معاك.” ابتسم وقال: “ده عندي أحسن من كلمة بحبك ألف مرة.”
رجوع غير متوقّع
وأثناء اللحظة اللي قربت قلوبهم فيها… اتفتح باب الشقة فجأة. دخلت أم ملك… ومعاها شخص ملك ما شافتوش بقاله شهور. حازم.
حازم شاف ياسين واقف جنب ملك… وشاف إيديهم لسه قريبة من بعض… وشاف دموع ملك اللي مسحتها بسرعة. ومن غير أي تفكير… صرخ: “إنت بتعمل إيه هنا؟!”
ملك اتنفضت: “حازم… اسمعني.” بس هو ما كانش سامع حاجة. راح على ياسين وقال: “إنت فاكر نفسك مين تدخل بيتنا؟!” ملك قالت بعصبية لأول مرة: “كفاية! هو جه يطمن عليا… مش أكتر.”
ياسين قال بهدوء رغم الغضب اللي في عينه: “أنا ما عملتش حاجة غلط.” حازم قرب منه وقال: “إنت بتحبها؟” ياسين ما ردش… بصّ لملك… وبعدين قال بصوت ثابت: “أيوه.”
ملك اتسمرت… وحازم اتجنّن: “طب اسمع… ملك خطيبتي.” ملك صرخت فجأة: “أنا مش خطيبتك!”
البيت سكت… العاصفة برا… والعاصفة الأكبر جوه.
قرار يُكسر قلوب
بعد ما الدنيا هديت شويّة… أم ملك قالت لها: “يا بنتي… إنتي ليه مخبية علينا إن ياسين بيجيلك؟” ملك قالت: “ما حصلش حاجة غلط.” لكن الأم قالت بخوف مش غضب: “الناس بتتكلم… وإنتي لازم تبقي صريحة.”
ملك حسّت إنها مضغوطة من كل اتجاه. ويتقفلت في أوضتها… تبكي من كتر الحيرة.
بعد ساعة… لقيت رسالة من ياسين على موبايلها: “لو ضايقتك… قولّي. بس ما تبعديش.” مسكت الموبايل بإيد مرتعشة… وكتبت: “أنا مش زعلانة… بس الدنيا بقت معقدة.” رد فوراً: “إحنا هنعدّي كل حاجة… سوا.”
ملك قلبها دق… بس عقلها بيقول إن اللي جاي أصعب.
لحظة النهاية… ولا البداية؟
تاني يوم… ياسين نزل من بدري… واقف مستني ملك تحت. كانت جاية من بعيد… وعنيها على الأرض. لما قربت… قال: “عايز أتكلم معاكي.” هزت راسها: “أنا كمان.”
راحوا على جنينة صغيرة جنب المدرسة. قعدوا على دكة خشب… والهوى خفيف.
ملك قالت: “أمي عايزة تتكلم معاك.” قال: “كويس.” قالت بخوف: “هي مش… موافقة.” سألها: “وإنتي؟” ردت بصوت مكسور: “أنا… مش ضدّك.” قال: “ده مش جواب.” اتنهدت وقالت: “يا ياسين… حازم ابن عمّي، والعيلة عايزاه… وهيشوفوا إنك… مش مناسب.” ياسين شال نظره من عليها وقال: “يعني أنا قليل؟” صرخت بسرعة: “لا! إزاي تقول كده؟” قال: “طب قولي… إنتي عايزاني أكمل ولا أمشي؟”
ملك وقفت… قلبها بينهار. “أنا… خايفة.” ياسين وقف قدامها وقال: “وأنا… بحبك.”
ملك دمعتها نزلت… وقالت: “سيبني أفكّر.” ومشيت… وسابته واقف مكانه… بيبص للفراغ.
اللحظة اللي غيرت المصير
بعد يومين من الصمت… حصلت حاجة محدش كان متوقعها. حازم جه لملك وقال: “لو بتحبيه… روحي له.” ملك اتصدمت: “إنت بتقول إيه؟” قال وهو مكسور: “أنا عمري ما شفتك بتضحكي غير لما اتفرّج عليكي وإنتي واقفة قدامه.” ملك اتلخبطت: “بس…” قال: “بس خلاص… أنا مش هقف قدّامك.” ولف ومشي.
الكلام ده وقع على قلبها زي المطر اللي نضّف التراب من الزجاج. وفجأة… عرفت هي عايزة إيه.
نزلت تجري على محل ياسين… ولما وقفت قدامه لقت المحل مقفول. قلبها وقع. “ياسين؟” لفت تشوفه يمكن واقف قريب… لكن المكان فاضي.
وبينما كانت واقفة بتعيط… سمعت صوته من وراها. “ملك؟”
اتلفت… ولقته واقف شايل صندوق… وشكله كان ناوي يقفل المحل لفترة. بصّ لها وقال: “إنتي كويسة؟” هي ما ردتش… قربت منه… وقالت: “أنا… اخترتك.” ياسين فتح عينيه بدهشة… “قالت: “لو هتفضل… هفضل. لو هتكمّل… هكمل. بس أنا… مش هبعد تاني.”
ياسين رمى الصندوق على الأرض… ومسكلها إيديها… وقال: “أنا ما صدقت أسمع الكلمة دي.” ملك ضحكت وهي بتعيط… وقال لها: “تعالي… نبدأ من أول وجديد.” قالت: “من أول لحظة قابلتك فيها… أنا بدأت.”
الخاتمة
اتكلّم ياسين مع أم ملك… وكانت صعبة في الأول… لكن لما شافت حبّهم الحقيقي… ولمّا شافت إن حازم نفسه مش واقف ضدهم… وافقت.
وبعد شهور قليلة… اتكتب كتابهم… وفي ليلة فرح بسيطة على قدّهم… كان ياسين ماسك إيد ملك… ويبص لها ويقول: “أنا قلتلك… إننا هنعدّي كل حاجة سوا.”
وهي تردّ وهي في قمة السعادة: “وأنا… مصدّقتك من أول يوم مطر دخلت محلك فيه.”
وبداية الطريق اللي كان مليان خوف… اتحوّل لطريق مليان حب… وحكاية اتولدت من المطر… وكملت بين قلبين اختاروا بعض… مهما كانت الدنيا صعبة.
